الشيخ محمد رشيد رضا

178

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )

الحبوب أو البرّ لأنه الغالب فيه ، وقد سئلت عن هذا في مجلس كان أكثره منهم وذكرت الآية ، فقلت ليس هذا هو الغالب في لغة القرآن فقد قال اللّه تعالى في هذه السورة أي المائدة ( أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ وَطَعامُهُ مَتاعاً لَكُمْ وَلِلسَّيَّارَةِ ) ولا يقول أحد ان الطعام من صيد البحر هو البر أو الحبوب . وقال ( كُلُّ الطَّعامِ كانَ حِلًّا لِبَنِي إِسْرائِيلَ إِلَّا ما حَرَّمَ إِسْرائِيلُ عَلى نَفْسِهِ مِنْ قَبْلِ أَنْ تُنَزَّلَ التَّوْراةُ ) ولم يقل أحد ان المراد بالطعام هنا البر أو الحب مطلقا إذ لم يحرم شيء منه على بني إسرائيل لا قبل التوراة ولا بعدها . فالطعام في الأصل كل ما يطعم أي يذاق أو يؤكل ، قال تعالى في ماء النهر حكاية عن طالوت ( فَمَنْ شَرِبَ مِنْهُ فَلَيْسَ مِنِّي وَمَنْ لَمْ يَطْعَمْهُ فَإِنَّهُ مِنِّي ) وقال ( فَإِذا طَعِمْتُمْ فَانْتَشِرُوا ) أي أكلتم . وليس الحب مظنة التحليل والتحريم وانما اللحم هو الذي يعرض له ذلك لوصف حسي كموت الحيوان حتف انفه وما في معناه ، أو معنوي كالتقرب به إلى غير اللّه عليه ، ولذلك قال تعالى ( 6 : 145 قُلْ لا أَجِدُ فِي ما أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّماً عَلى طاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَماً مَسْفُوحاً ) الآية ، وكله يتعلق بالحيوان ، وهو نص في حصر التحريم فيما ذكر فتحريم ما عداه يحتاج إلى نص . وقد شدد اللّه فيما كان عليه مشركو العرب من أكل الميتة بأنواعها المتقدمة والذبح للأصنام لئلا يتساهل به المسلمون الأولون تبعا للعادة . وكان أهل الكتاب أبعد منهم عن أكل الميتة والذبح لغير اللّه ، ولأنه كان من سياسة الدين التشديد في في معاملة مشركي العرب حتى لا يبقى في الجزيرة منهم أحد الا ويدخل في الاسلام . وخفف في معاملة أهل الكتاب استمالة لهم ، حتى أن ابن جرير روى عن أبي الدرداء وابن زيد أنهما سئلا عما ذبحوه للكنائس فأفتيا بأكله قال ابن زيد : أحل اللّه طعامهم ولم يستثن منه شيئا ، وأما أبو الدرداء فقد سئل عن كبش ذبح لكنيسة يقال لها جرجس أهدوه لها أنأكل منه ؟ فقال أبو الدرداء للسائل : اللهم عفوا انما هم أهل كتاب طعامهم حل لنا وطعامنا حل لهم وامره بأكله . وروى ابن جرير أيضا وابن المنذر وابن أبي حاتم والنحاس والبيهقي في سننه عن ابن عباس في قوله « وَطَعامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ حِلٌّ لَكُمْ » قال ذبائحهم ، وروى مثله عبد بن حميد عن مجاهد ، وعبد الرزاق عن إبراهيم النخعي . وقد أجمع الصحابة والتابعون على هذا ، وأكل النبي ( ص ) من الشاة التي أهدتها اليه اليهودية ووضعت له